ابن عطية الأندلسي

207

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

النبوءة ، وقال قتادة : الأمان من عذاب اللّه ، وقال الربيع والضحاك : العهد الدين : دين اللّه تعالى . وقال ابن عباس : معنى الآية لا عهد عليك لظالم أن تطيعه ، ونصب الظَّالِمِينَ لأن العهد ينال كما ينال ، وقرأ قتادة وأبو رجاء والأعمش « الظالمون » بالرفع ، وإذا أولنا العهد الدين أو الأمان أو أن لا طاعة لظالم فالظلم في الآية ظلم الكفر ، لأن العاصي المؤمن ينال الدين والأمان من عذاب اللّه وتلزم طاعته إذا كان ذا أمر ، وإذا أولنا العهد النبوءة أو الإمامة في الدين فالظلم ظلم المعاصي فما زاد . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 125 إلى 126 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) قوله وَإِذْ عطف على إِذْ المتقدمة و الْبَيْتَ الكعبة ، و مَثابَةً يحتمل أن تكون من ثاب إذا رجع لأن الناس يثوبون إليها أي ينصرفون ، ويحتمل أن تكون من الثواب أي يثابون هناك ، قال الأخفش : دخلت الهاء فيها للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع ، لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا ، فهي كنسابة وعلامة ، وقال غيره : هي هاء تأنيث المصدر ، فهي مفعلة أصلها مثوبة نقلت حركة الواو إلى الثاء فانقلبت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها ، وقيل : هو على تأنيث البقعة ، كما يقال : مقام ومقامة ، وقرأ الأعمش « مثابات » على الجمع ، وقال ورقة بن نوفل في الكعبة « 1 » : [ الطويل ] : مثاب لأفناء القبائل كلّها * تخبّ إليها اليعملات الطلائح و أَمْناً معناه أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي آمنة من ذلك ، يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه ، لأن اللّه تعالى جعل لها في النفوس حرمة وجعلها أمنا للناس والطير والوحوش ، وخصص الشرع من ذلك الخمس الفواسق ، على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وجمهور الناس « واتخذوا » بكسر الخاء على جهة الأمر ، فقال أنس بن مالك وغيره : معنى ذلك ما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : وافقت ربي في ثلاث ، في الحجاب ، وفي عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [ التحريم : 5 ] ، وقلت يا رسول اللّه : لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى . قال القاضي أبو محمد : فهذا أمر لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال المهدوي : وقيل ذلك عطف على قوله اذْكُرُوا فهذا أمر لبني إسرائيل ، وقال الربيع بن أنس : ذلك أمر لإبراهيم ومتبعيه ، فهي من الكلمات ، كأنه قال : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] وَاتَّخِذُوا ، وذكر المهدوي رحمه اللّه أن ذلك عطف على الأمر الذي يتضمنه قوله : جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً ، لأن المعنى : توبوا ، وقرأ نافع وابن عامر « واتخذوا »

--> ( 1 ) جاء في لسان العرب أن البيت لأبي طالب .